الشيخ محمد رشيد رضا

49

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تقتل بعضهم وبسلم بعض ، وانه لا فرق بين القاتل والمقتول في الفضل ، والمثوبة عند اللّه عز وجل ، إذ كل منهما في سبيله لا حبا في سفك الدماء ، ولا رغبة في اغتنام الأموال ، ولا توسلا إلى ظلم العباد ، كما يفعل عباد الدنيا من الملوك ورؤساء الأجناد وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ أي وعدهم بذلك وعدا أوجبه لهم على نفسه ، وجعله حقا عليه أثبته في الكتب الثلاثة المنزلة على أشهر رسله ، ولا تتوقف صحة هذا الوعد على وجوده في التوراة والإنجيل اللذين في أيدي أهل الكتاب بنصه لما أثبتناه من ضياع كثير منهما ، وتحريف بعض ما بقي لفظا ومعنى ، بل يكفى اثبات القرآن لذلك وهو مهيمن عليها . ( راجع ص 342 ج 10 ) وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ؟ أي لا أحد أوفى بعهده وأصدق في انجاز وعده من اللّه عز وجل ، إذ لا يمنعه من ذلك عجز عن الوفاء ، ولا يمكن أن تعرض له فيه التردد أو البداء ، « 1 » فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ الاستبشار الشعور بفرح البشرى أو استشعارها ، الذي تنبسط به بشرة الوجه فيتألق نورها ، والجملة تقرير لتمام صفة البيع من الجانبين وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا يتعاظمه فوز ، دون ما يتقدمه من النصر والسيادة والملك ، الذي لا يعد فوزا إلا بجعله وسيلة لإقامة الحق والعدل . أعلى اللّه تعالى مقام المؤمنين المجاهدين في سبيله فجعلهم بفضله مالكين معه ، ومبايعين له ، ومستحقين للثمن الذي بايعهم به ، وأكد لهم أمر الوفاء به وانجازه ، ويروى عن جدنا الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في معنى الآية أثامن بالنفس النفيسة ربها * فليس لها في الخلق كلهم ثمن بها أشتري الجنات ، إن أنا بعتها * بشيء سواها إن ذلكم غبن « 2 » إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها * فقد ذهبت مني وقد ذهب الثمن

--> ( 1 ) البداء بالفتح أن يبدو لك في الامر ما لم يكن في علمك ولا حسابك فترجع عما كنت تريد امضاءه فيه ( 2 ) الغبن بالتحريك وبفتح فسكون واحد من غبنه في البيع إذا غلبه بغش أو خديعة « تفسير القرآن الحكيم » « 7 » « الجزء الحادي عشر »